القرطبي

276

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الشهوة قلت المعاصي . وهذا وجه مجازي حسن . وقيل : لتتقوا المعاصي . وقيل : هو على العموم ، لان الصيام كما قال عليه السلام : ( الصيام جنة ووجاء ( 1 ) ) وسبب تقوى ، لأنه يميت الشهوات . السادسة - قوله تعالى : " أياما معدودات " " أياما " مفعول ثان ب‍ " كتب " ، قاله الفراء . وقيل : نصب على الظرف ل‍ " كتب " ، أي كتب عليكم الصيام في أيام . والأيام المعدودات : شهر رمضان ، وهذا يدل على خلاف ما روي عن معاذ ، والله أعلم . قوله تعالى : " فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " فيه ست عشرة مسألة : الأولى - قوله تعالى : " مريضا " للمريض حالتان : إحداهما - ألا يطيق الصوم بحال ، فعليه الفطر واجبا . الثانية - أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة ، فهذا يستحب له الفطر ولا يصوم إلا جاهل . قال ابن سيرين : متى حصل الانسان في حال يستحق بها اسم المرض صح الفطر ، قياسا على المسافر لعلة السفر ، وإن لم تدع إلى الفطر ضرورة . قال طريف ابن تمام العطاردي : دخلت على محمد بن سيرين في رمضان وهو يأكل ، فلما فرغ قال : إنه وجعت أصبعي هذه . وقال جمهور من العلماء : إذا كان به مرض يؤلمه ويؤذيه أو يخاف تماديه أو يخاف تزيده صح له الفطر . قال ابن عطية : وهذا مذهب حذاق أصحاب مالك وبه يناظرون . وأما لفظ مالك فهو المرض الذي يشق على المرء ويبلغ به . وقال ابن خويز منداد : واختلفت الرواية عن مالك في المرض المبيح للفطر ، فقال مرة : هو خوف التلف من الصيام . وقال مرة : شدة المرض والزيادة فيه والمشقة الفادحة . وهذا صحيح مذهبه وهو مقتضى الظاهر ، لأنه لم يخص مرضا من مرض فهو مباح في كل مرض ، إلا ما خصه الدليل من الصداع والحمى والمرضى اليسير الذي لا كلفة معه في الصيام . وقال الحسن : إذا لم يقدر من المرض على الصلاة قائما أفطر ، وقاله النخعي . وقالت فرقة : لا يفطر بالمرض إلا من

--> ( 1 ) الوجاء : أن ترض أنثيا الفحل رضا شديدا يذهب شهوة الجماع ، وينزل في قطعة منزلة الخصي . أراد أن الصوم يقطع النكاح كما يقطعه الوجاء .